صديق الحسيني القنوجي البخاري

616

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 173 إلى 175 ] أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا أي فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم وأو لمنع الخلو دون الجمع فقد يعتذرون بمجموع الأمرين مِنْ قَبْلُ أي قبل زماننا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أي أتباعا لهم فاقتدينا بهم في الشرك لا نهتدي إلى الحق ولا نعرف الصواب أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا . بيّن اللّه سبحانه في هذه الآية الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة ويعتلوا بهذه العلة الباطلة ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة ففي هذه الآية قطع لعذر الكفار فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل ذلك . وقال أهل النظر : المراد منه مجرد نصب الدلائل وإظهارها للعقول ، والحق هو الأول والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس . وَكَذلِكَ أي مثل ذلك التفصيل البليغ نُفَصِّلُ الْآياتِ لهم ليتدبروها وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل وقيل يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بموجبه ومقتضاه والمآل واحد . وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا وهي علوم الكتب القديمة والتصرف بالاسم الأعظم فكان يدعو به حيث شاء فيجاب بعين ما طلب في الحال ، وإيراد هذه القصة منه سبحانه وتذكير أهل الكتاب بها لأنها كانت مذكورة عندهم في التوراة . وقد اختلف في هذا الذي أوتي الآيات فقيل هو بلعم بن باعوراء ، قاله ابن عباس ، وفي لفظ بلعام بن باعر الذي أوتي الاسم الأعظم ، كان في بني إسرائيل وبه قال مجاهد ، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة . وقيل كان قد أوتي النبوة ، وكان مجاب الدعوة بعثه اللّه إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان فاعطوه الأعطية الواسعة فاتبع دينهم وترك ما بعث به فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين ، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو عليه فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه فقيل له في ذلك فقال لا أقدر على أكثر مما تسمعون ، واندلع لسانه على صدره فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة وسأمكر لكم وإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن